الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله سبحانه تعالى جبل النفوس على حب أوطانها، وغرس ذلك فيها، فارتباط الإنسان بأرضه ووطنه أمر فطري، متوافق مع العقيدة الإسلامية، فمنها خلق، وعليها يحيى، وفيها يموت، ومنها يبعث، كما قال تعالى: ﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾( ).
فالوطن له مكانة عظيمة في نفوس أهله، مما جعل الشعراء يتغنون في حبه عند فراقه والبعد عنه.
ونستعذب الأرض التي لا هوى بها ولا مـاؤها عـذب ولكنها وطـن
فالحنين إلى الوطن والانتماء إليه لا يخالف الشرع المطهر، فقد جاء عن سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام ما يدل على ذلك من حنينه إلى وطنه واشتياقه إليه.
فانجذاب الإنسان إلى وطنه ومسقط رأسه لا يلام عليه، وقد قيل: إن من علامة الرشد أن تكون النفس إلى بلدها تواقة، وإلى مسقط رأسها مشتاقة.
فالعيش في الوطن بأمان وطمأنينة من أعظم نعم الله على عباده التي لا يستشعرها كثير من الناس، ولا يعرف قدر تلك النعمة إلا من ابتلي بفقدها بالتشرد والفرقة والغربة.
فمن أعظم البلاء على النفس مفارقة الأوطان، وما يصاحبه من فراق الأهل والأصحاب، كما قيل:
بم التعلل لا أهل ولا وطن
فمن نعم الله العظيمة علينا أننا ننتمي إلى المملكة العربية السعودية التي جعلت دستورها كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين بل وخدمة الإسلام والمسلمين في جميع المحافل الدولية، والواقع خير شاهد.
بل جعلت شعارها: الدين ثم المليك ثم الوطن، فلم تقدم على الدين أحدا؛ لأن من قام بدينه قام بحقوق المليك وحقوق الوطن.
لأن حقيقة المواطنة الصادقة توجب على المواطن إتباع القول بالفعل، وإظهار ذلك على أرض الواقع، بل وغرسه في نفوس الأجيال، فننتمي إلى وطننا الغالي ونعتز بذلك، ونتفانى في خدمتنا له، تعبدا لله، ووفاء لولاة أمورنا، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
فمن هذا المنطلق شاركت بهذا البحث بعنوان: الانتماء الوطني من منظور عقدي.
وقد جعلته في تمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة.
التمهيد: ذكرت فيه تعريف للانتماء والوطن والعقيدة.
الفصل الأول: الأدلة من الكتاب على مشروعية الانتماء الوطني.
الفصل الثاني: الأدلة من السنة على مشروعية الانتماء الوطني.
الفصل الثالث: الانتماء الوطني عند السلف.
الفصل الرابع: الانتماء إلى المملكة العربية السعودية.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج.
التمهيد
1ـ تعريف الانتماء: له عدة معاني:
فمن معاني الانتماء: الانتساب، فهو الانتساب إلى الشيء، من نما الرجل إلى كذا، بمعنى: انتسب إليه، يقال: ينمو إلى الحسب وينمي، ويقال: انتمى فلان إلى فلان: إذا ارتفع إليه في النسب، ومنه قول الشاعر:
نماني إلى العلياء كل سميدع( )
2ـ الوطن: من معانيه: الإقامة والمكان الذي تقيم فيه.
يقال: المنزل تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله، وأوطنَه: اتخذه وطنا، يقال: أوطن فلان أرض كذا وكذا: أي: اتخذها محلا ومسكنا يقيم فيه ( ).
3ـ العقيدة: هي مأخوذة من العقد؛ وهو الشد والربط والإيثاق( ).
أما اصطلاحا: هي الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها( ).